عبد السلام مقبل المجيدي

118

تلقي النبي ( ص ) الفاظ القرآن الكريم

ولا تنافي بين هذه التأويلات ، إذ يصبح المعنى عند الجمع بين الوارد فيها : فإذا أنزلناه فبيناه ، بأن قرأه عليه الملك مجموعا مؤلفا فاستمع له وأنصت ، فإذا انتهت قراءة جبريل عليه السلام فاقرأ أنت ، ثم اتبع ما فيه من حلال ، واجتنب ما فيه من حرام . . . فكانت ألفاظ التفسير مختلفة بحسب بدايات نزول القرآن ونهاياته ؛ إذ البدء يكون بنزول الملك ، ثم التبيين بقراءة الملك أيضا ، وهو مستدع لإنصات النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم تكون مرحلة قراءة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ثم مرحلة العمل به . . . فقد اتفقت في حقيقتها « 1 » ، ويدل لهذا أن ابن عباس رضى اللّه عنه فسر قوله تعالى أَنْزَلْناها " النور / 1 " ، كما روى عنه البخاري : بيناها « 2 » ، وقال ابن حجر : " كذا في النسخ ، والصواب ( أنزلناها وفرضناها ) بيناها " « 3 » ، فجعل معنى بيناها لفرضناها لا لأنزلناها ، وهو غريب من حيث أنه صرح بأن النسخ اجتمعت على أن بيناها معنى لأنزلناها ، فكان النظر داعيا إلى التأمل في المناسبة بينهما قبل صرفه بادئ الرأي إلى معنى آخر ، وقد ظهرت للباحث مناسبة معنى الإنزال للبيان من خلال تأويل ابن عباس رضى اللّه عنه لقوله قَرَأْناهُ بأنه أنزلناه تارة ، وبمعنى بيناه تارة أخرى ، فقد جعل ابن عباس رضى اللّه عنه البيان لازم الإنزال ، وما أحسن ذاك بالنظر إلى الذات الإلهية ، فتخطئة النسخ جميعا عارض يفتقد القرينة فنبقى على الأصل . فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ « 4 » : ورد فيها أربعة معان : أولها : فاستمع له وأنصت : " أي أنصت إلى قراءتنا " « 1 » ، وقال الزمخشري : " فكن مصغيا له فيه ، ولا تراسله ، وطمئن نفسك أنه لا يبقى غير محفوظ ؛ فنحن في ضمان تحفيظه " .

--> ( 1 ) وهذا التأويل للآيات هو الموافق لتأويل ابن عباس رضى اللّه عنه كما سبق . وقد قال عنه صاحب التحرير والتنوير 29 / 349 ، مرجع سابق : " هذا ما لا خلاف فيه بين أهل الحديث وأئمة التفسير " . ( 2 ) صحيح البخاري 4 / 1770 ، مرجع سابق . ( 3 ) فتح الباري 8 / 433 ، مرجع سابق . ( 4 ) روح المعاني 29 / 244 ، مرجع سابق .